يحرّك العصر الرقمي قواعد المجتمعات والاقتصاد حيث أصبحت الحلول التكنولوجية أساسية كقوة تغيير يتجلى حضورها بتحديد مسارات المرحلة المقبلة. ومع الاهتمام المتزايد بالفضاء الافتراضي، تم دفع المؤسسات والشركات إلى تركيز حضورها في هذا المجال مع تحفيز استخدام الحلول الذكية والتحرك نحو عالم افتراضي يشمله عالم ميتافيرس.
يزيد عدد مستخدمي الانترنت حول العالم الذي يُقدر عددهم بحو 4 مليارات مستخدم ومع ذلك تنجح المنصات الالكترونية بتعزيز خدماتها في العالم الافتراضي. مع تغير متطلبات العملاء باستمرار، يتطلب هذا الأمر توسيع حلول التكنولوجيا والاستفادة منها بكافة أوجهها. أما على أرض الواقع، فتقدم المملكة العربية السعودية نموذجاً غامراً لتناول عالم ميتافيرس والمشاريع الضخمة فيه لتعزيز تجربة المواطنين اقتصادياً واجتماعياً بما يتماشى مع رؤية المملكة 2030. بين التخطيط والتطوير والتنفيذ، يُعد تأثير عالم ميتافيرس قوياً وطويل الأمد مع مساهمته بنحو 15 مليار دولار في اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي بحلول عام 2030. كما يساهم عالم ميتافيرس بإعادة تصميم المدن الحديثة الذكية وأهمها مدينة نيوم السعودية المتطورة التي تبلغ كلفتها 500 مليار دولار والتي تجمع بين الحداثة والمغامرة والتكنولوجيا والابتكار.
من المتوقع أن تصل القيمة السوقية لميتافيرس حول العالم إلى 900 مليار دولار بحلول 2030
ميتافيرس واجهة جاذبة للمستخدمين
تتمثل قدرة ميتافيرس بتوفير كل معايير التفاعل الآني بين العالم الواقعي والعالم الافتراضي. منذ ظهوره أحدث عالم الميتافيرس ثورة حقيقية في نمط حياتنا اليومية. في ظلّ هذا الواقع، ووسط المنافسة العالية، يرى الخبراء أنه من الضروري تقديم تجربة رائعة للمستخدم والاستفادة القصوى من عالم ميتافيرس لما تشكله التكنولوجيا من محرك فعال للمرحلة المستقبلية. يتجسّد التحول الحقيقي بالاستثمار الدائم في العالم الافتراضي لما يوفره هذا العالم من فرص غير محدودة في مختلف المجالات. يُستخدم ميتافيرس في المملكة العربية السعودية التي تحرص على المحافظة على ريادتها الرقمية إلى جانب الدول المجاورة وتثبيت مكانتها في عالم التكنولوجيا والرقمنة. يدفع عالم ميتافيرس طموحات المملكة العربية السعودية إلى الأمام مع سعي الوزارات والمؤسسات فيها إلى تبني التقنيات الجديدة لبناء مستقبل مزدهر وتشكيل "المملكة الجاذبة" للعالم الافتراضي بالتوازي مع نمو العالم الواقعي. بالاضافة إلى قطاع الاقتصاد والتجارة والتسوق الالكتروني من المتوقع أن يلعب عالم ميتافيرس والتطورات المترافقة دوراً مهماً في توسيع تجارب قطاع السياحة وفقًا لتقرير السياحة الرقمية 2023 الصادر عن وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ومركز استشراف التكنولوجيا. من خلال التقنيات الغامرة، تعمل المملكة العربية السعودية على تحويل القطاعات التقليدية إلى قطاعات أكثر تطوراً. وتشكل مكونات مثل اتصال الألياف، وشبكات الجيل الخامس، والبنية التحتية السحابية، واتصالات الإيثرنت، والاتصال عبر الأقمار الصناعية، ومراكز البيانات الطرفية، وأجهزة إنترنت الأشياء، وروابط الميكروويف، العمود الفقري الأساسي للعالم الافتراضي. كما تدعم هذه البنية التحتية الاتصال السلس ونقل البيانات بكفاءة عبر الوجهات المختلفة، مما يدعم رؤية المملكة لتجربة معززة رقمياً.
من المتوقع أن تصل القيمة السوقية لميتافيرس حول العالم إلى 900 مليار دولار بحلول 2030 كما سيضيف هذا المجال أكثر من 80 مليار دولار إلى الناتج المحلي الاجمالي لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا بحلول عام 2035. أما على مستوى المملكة العربية السعودية بالتحديد، فمن المرتقب أيضاً أن يساهم عالم ميتافيرس بقيمة قدرها 38 مليار دولار لاقتصاد المملكة التي تسعى إلى تحقيق النمو المستدام وتنوع اقتصادها. إلى جاب ذلك تستثمر المملكة بالتكنولوجيا بشكل كبير مقارنةً بالسنوات السابقة مع بدئها بمشروع نيوم الذي يُعد من أهم مشاريع المدن الذكية في المنطقة.
أكملت الهيئة الملكية لمحافظة العلا تجربة ثلاثية الأبعاد غامرة لمقبرة لحيان بن كوزا في الحجر في نوفمبر 2022، مع دخولها عالم الميتافيرس. تم إنشاء التجربة الغامرة ومراقبتها على Decentraland، وهي منصة رقمية أكدت أهمية معلم العلا الشهير وأتاحت للسياح من جميع أنحاء العالم القيام بجولات افتراضية بميزات متخصصة وأجزاء حصرية منه.
تم إطلاق أول أكاديمية ميتافيرس في الشرق الأوسط في الرياض Meta Platforms في مايو 2023 لتسريع تطوير التكنولوجيا
السعودية رائدة في عالم ميتافيرس
تم إطلاق أول أكاديمية ميتافيرس في الشرق الأوسط في الرياض Meta Platforms في مايو 2023 لتسريع تطوير التكنولوجيا. وتهدف الأكاديمية إلى دعم نظام ميتافيرس في المنطقة من خلال برامج التدريب. يتضمن نهجها ثلاثة مسارات مختلفة تتمحور حول الاكتشاف، ودعم المهارات، وتعزيز التدريبات. ستشمل برامج الأكاديمية كل ما يتعلق بالتكنولوجيا والواقع الممتد. كما تتمثل مهمة الأكاديمية في التعاون مع المؤسسات التعليمية والهيئات الحكومية في المملكة العربية السعودية لتثقيف الجيل القادم من ميتافيرس والمساعدة في التقدم التكنولوجي في المنطقة.
مع تطور عالم الميتافيرس في المملكة العربية السعودية، قد يجذب ذلك المزيد من الاستثمارات المحلية والدولية، الأمر الذي يعود بنتائجه الايجابية على الاقتصاد من خلال الاستفادة من فرص الأسواق الناشئة. ومن المتوقع أن تنمو القطاعات غير النفطية المختلفة في المملكة العربية السعودية كجزء من أهداف التنويع في رؤية 2030 ويمكنها الاستفادة من هذه التكنولوجيا الجديدة. وتشمل هذه القطاعات:
قطاع التعليم: يُعد قطاع التعليم الالكتروني من أكثر القطاعات استفادةً من وجود ميتافيرس من خلال تعزيز التفاعل الافتراضي وتوفير الفرصة لكل الأفراد للتعلم عن بُعد وتحويل عملية التعليم بالكامل في المملكة العربية السعودية.
قطاع الرعاية الصحية: نجحت المملكة العربية السعودية في إنشاء أول مستشفى افتراضي (مستشفى صحة الافتراضي)، وهو منشأة افتراضية متخصصة تستخدم أحدث التقنيات المبتكرة لتقديم خدمات متخصصة لدعم المرافق الصحية في المملكة. وبما يتماشى مع رؤية السعودية 2030 ويوفر لـ 130 مستشفى سعودياً المستلزمات الطبية والدعم اللوجستي اللازمين، فإن هذه المنشأة الافتراضية تشكل عصرًا جديدًا في قطاع الرعاية الصحية.
التسوق الالكتروني: في الاقتصاد الرقمي الجديد، تعد تجارب التسوق الافتراضية والأحداث الافتراضية أمثلة مذهلة على التجارة الإلكترونية التي يمكن أن تغير تجربة التسوق من المتاجر الكبرى إلى التسوق عبر الإنترنت وتوفر للشركات منصات مختلفة لبيع منتجاتها بشكل أفضل.
تحديات عدة مع الامتداد إلى الواقع الافتراضي
تحمل كل مرحلة من مراحل التطور سلسلة من التحديات تتطلب وجود حلول فعالة واستراتيجيات تمكينية. يُعد عالم ميتافيرس عالماً واسعاً يتطلب الوعي بكيفية التعامل مع عناصره ومقوماته ليكون له تأثيره الايجابي على الأفراد مع الحفاظ على خصوصيتهم. وتتفاعل المملكة العربية السعودية مع العالم الافتراضي في مجموعة متنوعة من القطاعات ووحدات الأعمال من خلال مشاريعها الخاصة في العالم الافتراضي والشراكات العالمية المتزايدة. ورغم تنوع المشاريع السعودية في عالم ميتافيرس إلا أن هناك بعض المخاطر التي يجب التعامل معها لتجربة أفضل تتمثل أبرزها بالهيكلة اللامركزية لميتافيرس، وضع الاستراتيجية والخطط الملائمة للحدّ من الخروقات في عالم الافتراض. هذا بالاضافة إلى أهمية الحفاظ على أمن البيانات والمعلومات للأفراد الذي يعتمدون عالم ميتافيرس في مختلف مهامهم اليومية.
كما يمكن للمملكة أن تواجه تحديات أخرى في توسع ميتافيرس بالشكل المطلوب مع نقص المهارات المطلوبة لذا تكون المشاريع التدريبية من الأولوبات في هذه الحالة. أما الشق المالي فهو الأهم لضمان نجاح ميتافيرس في المجتمع السعودي، حيث سيكون على الحكومات والمنظات السعودية تخصيص مبالغ استثمارية لتطوير عالم ميتافير بكل ما يحتاجه.
دمج الشركات السعودية في عالم ميتافيرس
استثمر كل من الشركات الحكومية والتجارية في المملكة العربية السعودية في التحول الرقمي. وقد وضعت المؤسسات معايير مهمة نتيجة للمبادرات الحكومية مثل رؤية 2030. وقد حددت العديد من الهيئات الحكومية والشركات السعودية بالفعل عالم الميتافيرس وWeb3 باعتبارهما قناة محتملة جديدة لتقديم الخدمات إلى عملائها، وقد قامت بدمج عالم الميتافيرس في أعمالها. ويمكن لهذه الشركات أن تكون بمثابة قصص نجاح ودروس مستفادة للآخرين الذين يتطلعون إلى ركوب قطار عالم الميتافيرس. وقد استفادت الشركات السعودية من هذه التكنولوجيا المتطورة من خلال وضع استراتيجيات جديدة لدمجها في خططها وعملياتها من أجل مواكبة التطورات والحصول على الأدوات اللازمة لتوسيع وتسريع عملياتها.
من خلال التواصل مع العالم الخارجي ومن خلال الأحداث والشراكات في عالم الميتافيرس واستخدام أدواته مثل الواقع الافتراضي والواقع المعزز، يمكن للشركات السعودية الاستفادة من المساحة الرقمية المتاحة لديها لإيجاد فرص جديدة لها في السوق.
في غضون ذلك، تعترف شركات المملكة بالحاجة إلى تحديد استراتيجية واضحة لتبني عالم ميتافيرس وتحديد حالات الاستخدام التي تتيح للمستخدم تجربة مميزة. وبينما من المرتقب أن تكون المملكة العربية السعودية من الدول اللاعبة في عالم ميتافيرس ومجال التكنولوجيا في المنطقة تركز الشركات على الحفاظ على مستوى عالٍ من الخدمات تلبي متطلبات الأفراد والسوق على حد سواء.
يبقى عالم ميتافيرس من المجالات الناشئة في الممكلة العربية السعودية في وقت يزيد فيه الاهتمام بكل الحلول الذكية والاستثمار فيها. هنا يكون للمبادرات الفردية الابداعية وابتكار الحكومات والشركات السعودية دورها في زيادة الثقافة الرقمية في المجتمع وتحديد الأموال المطلوبة لدعم مشاريع ميتافيرس وغيرها من الحلول المبتكرة التي ستقود مستقبل التكنولوجبا في المملكة. بشكل عام، تمتلك المملكة العربية السعودية البنية التحتية المناسبة لتكنولوجيا المعلومات والشبكات اللازمة لعالم ما بعد الإنترنت، ونظاماً ايكولوجياً متنامٍياً لمزودي الخدمات، ودعماً حكومياً قوياً، وكل هذا من شأنه أن يحفز تبني الرقمنة والنمو المستمر لتحقيق التحول الرقمي الشامل.