شهد مجال الحوسبة الكمية في السنوات الأخيرة نمواً سريعاً، في ظلّ التقدم التكنولوجي والاستثمارات واسعة النطاق في هذا المجال. ويعبّر الخبراء عن تفاؤلهم بامكانات الحوسبة الكمية واستخداماتها خلال السنوات المقبلة فهي لم تعد محدودة لمجموعة معيّنة.
ليس من المستغرب أن تصبح الحوسبة الكمية سباقاً عالمياً سريع النمو، وأن تُسارع القطاعات الخاصة والحكومات حول العالم إلى بناء أول حاسوب كمومي كامل الحجم في العالم. ولتحقيق ذلك، نحتاج أولًا إلى معالجات أو رقائق كمومية مستقرة وقابلة للتطوير. في السنوات القليلة القادمة، ستستمر الرقائق الكمية في التوسع. والأهم من ذلك، أن الجيل القادم من معالجات الكم سيعتمد على كيوبتات منطقية، قادرة على معالجة مهام مفيدة بشكل متزايد. في حين أن الأجهزة الكمية (أي المعالجات) تتقدم بوتيرة سريعة، فإننا لا نستطيع أيضًا تجاهل كمية هائلة من البحث والتطوير في مجال البرمجيات والخوارزميات الكمية. باستخدام المحاكاة الكمية على أجهزة الكمبيوتر العادية، طوّر الباحثون وجرّبوا خوارزميات كمية متنوعة. هذا سيجعل الحوسبة الكمية جاهزة لتطبيقات مفيدة عندما تتطور الأجهزة الكمية. يُعد بناء حاسوب كمي كامل الحجم مهمةً شاقة. سيتطلب ذلك تطوراتٍ متزامنة على مختلف الأصعدة، مثل زيادة عدد البتات الكمية على الشريحة، وتحسين دقة البتات الكمية، وتصحيح الثغرات، وتطوير برمجيات الكم، وخوارزميات الكم، والعديد من المجالات الفرعية الأخرى للحوسبة الكمية.
الاستثمارات بالحوسبة الكمية
من المتوقع أن تصل القيمة السوقية العالمية للحوسبة الكمية إلى تريليون دولار بحلول 2035. ترى الحكومات في قطاع الحوسبة الكمية امكانية لتعزيز الابتكار ودفع الاقتصاد وتحقيق التنمية المستدامة. تسارع الدول العربية للمبادرة في مجال الحوسبة الكمومية وصناعة أشباه الموصلات مما يتماشى مع الرؤية المستقبلية لبيئة رقمية متميّزة تواكب التطور العالمي المستمر. تقود منطقة الشرق الأوسط نمو الحوسبة الكمية حيث تكشف التقارير عن ادراك دول الخليج بشكل خاص أهمية هذا القطاع حالياً وتطمح للاستثمار اكثر فيه. أما التقدم الرقمي السريع فمهّد الطريق إلى منافسة شرسة بين الشركات التي تتبنى الابتكارات والحلول الذكية. للحوسبة السحابية قدرة على تحسين الاتصال والتشفير والاستعداد إلى التقنيات الكمية لحماية البيانات من الانتهاكات الالكترونية. لهذا السبب وغيره، تبرز دول الخليج ومنها الامارات والمملكة العربية السعودية وقطر مثلاً في مجال الحوسبة الكمية مع تطوير استراتيجياتها الخاصة بها.
تستثمر الامارات في قطاع الحوسبة الكمية وتدرك الحكومة الاماراتية أهمية هذا القطاع في مجالات مختلفة ومنها الاقتصاد والبحوث العلمية لمواكبة التطور الرقمي السريع. كما تعمل الامارات على خلق بيئة استثمارية مناسبة لاستثمارات الحوسبة الكمية وللمشاريع المستقبلية التي تحمل هذه التقنية. هذا وتُعيد الحوسبة الكمية تشكيل العالم الرقمي الآمن في البلاد حيث أصبحت التقنية الكمية والمنصات الرقمية أساسية لادارة الأعمال اليوم.
بدورها، تهتم دولة قطر بتطوير الحوسبة الكمية لديها حيث تستثمر نحو 10 ملايين دولار في مركز قطر للحوسبة الكمية. يمكن للشركات تنفيذ مهام مختلفة ومنوعة في وقت واحد بسرعة وبدقة عالية بفضل هذه التقنية. كما تعمل الحكومة القطرية على فهم التأثير التحولي الذي أحدثته الحوسبة الكمية في عالم التكنولوجيا واستخدام الحاسوب والأجهزة الالكترونية.
تمثل الحوسبة الكمية قفزة نوعية في عالم التكنولوجيا في المملكة العربية السعودية التي تسعى إلى توظيف هذه التقنية لحلّ المشاكل الأكثر تعقيداً واستخدام أجهزة الحاسوب بكفاءة أكبر. ومن الواضح أن الشركات المحلية في المملكة تتجه نحو الحوسبة الكمية أيضاً مع توقع حدوث طفرة كبيرة في السوق السعودي.
مرحلة جديدة من الأمان مع الحوسبة الكمية
تُضيف الحواسيب الكمية قدراتٍ غير مسبوقة إلى أساليب البرمجة التقليدية. بدءاً من تطوير أبحاث الأدوية، واستخدام الطاقة، والتصنيع، والأمن السيبراني، والاتصالات، وصولًا إلى تحسين تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وملاحة المركبات ذاتية القيادة، والنمذجة المالية، وغيرها الكثير، فإنّ الحواسيب الكمية على استعداد لفتح آفاقٍ جديدة.
إن صناعة الحوسبة الكمية الناشئة تحقق بالفعل تقدماً هائلاً - ومع اكتشاف المزيد من المنظمات لإمكاناتها، من المتوقع أن يصل حجم السوق العالمية إلى 50 مليار دولار بحلول نهاية هذا العقد. وتعمل شركات التكنولوجيا الكبرى على تطوير قدراتها الكمية بسرعة - على سبيل المثال، أطلقت أمازون، وغوغل، ومايكروسوفت بالفعل خدمات الحوسبة الكمية السحابية التجارية، وهناك استثمارات كبيرة في لاعبين جدد مثل كوانتينوم وبيسيكوانتوم. من المتوقع أن يكون مستوى الاستعداد الذي تُجريه المؤسسات اليوم حاسمًا للحد من تعرضها للتهديدات الناشئة وقابليتها للتأثر بها، مما يجعل التخطيط للمخاطر الكمية أولوية. تستطيع الحواسيب الكمية اختراق أساليب التشفير بسرعة فائقة، مما يُفقد أدوات التشفير المُستخدمة على نطاق واسع اليوم لحماية كل شيء، من المعاملات المصرفية ومعاملات التجزئة إلى بيانات الأعمال والمستندات والبريد الإلكتروني وغيرها، فعاليةً مُطلقة. تُتيح الحوسبة الكمية طرقًا جديدة لإجراء أنواع مُعينة من الحسابات الرياضية بكفاءة، مما يُقوّض بروتوكولات الأمن السيبراني الحالية نظرًا لصعوبة تلك المسائل الرياضية. يُعدّ تشفير البيانات من الأنظمة الحديثة المُفضّلة، والتي يستخدمها العديد من البروتوكولات ومواقع الإنترنت العامة لحماية خصوصية المستخدمين. يجب على المؤسسات أيضًا الاستعداد لمستقبل الكم لضمان عدم قدرة التهديدات الكمومية على اختراق بنيتها التحتية للأمن السيبراني. ومن أولى الخطوات التي ينبغي اتخاذها إجراء تقييم للمخاطر لتحديد الأنظمة والبيانات الأكثر عرضة للخطر. ولأن المهمة ستكون ضخمة، فمن الضروري القيام بها على أكمل وجه.
الخطوة التالية، وربما الأهم، هي الانتقال إلى تقنيات التشفير المقاومة للكم. الآن هو الوقت المناسب للبدء بتحديد ونشر خوارزميات تشفير ما بعد الكم لتحل محل الأساليب الحالية أو تكمّلها. هذا لا يعني فقط تبني تقنيات جديدة، بل يعني أيضًا وضع خطط انتقال واضحة للانتقال من الأنظمة الكلاسيكية إلى الأنظمة المقاومة للكم.
الاستثمار في رأس المال البشري أمرٌ بالغ الأهمية في هذه الصناعة. ستحتاج الشركات إلى تدريب موظفيها على مخاطر الحواسيب الكمومية، بالإضافة إلى أنواع بروتوكولات الأمن الجديدة وأفضل الممارسات. مع حلول عصر الهجمات الكمومية، ينبغي أن يكون الموظفون على دراية بالحوسبة الكمية وأهميتها والتهديدات الأمنية المتعلقة بها وكيفية التعامل معها.
سيتعين على المؤسسات والحكومات على حد سواء مواجهة هذا التحدي ووضع تدابير تمنع وقوع البيانات ضحيةً لهجمة الكم. لقد حان عصر الأمن ما بعد الكم. اتخذوا خطوات لحماية معلوماتكم قبل اختفائها.