تستفيد المنطقة من اليد العاملة الماهرة وخصوصاً من المختصين بمجال التقنية والتكنولوجيا. اذ إن معدل انتشار الانترنت والأجهزة المحمولة المرتفع يؤكد أهمية تثبيت الاستراتيجيات الرقمية المستقبلية والعمل على تطوير الاتجاهات الحالية بما يتماشى مع متطلبات السوق.
يحتضن الشرق الأوسط الثورة الرقمية ويستفيد من الابتكارات الناشئة. وتعمل بدورها دول في مجلس التعاون الخليجي على استراتيجياتها الخاصة للتنويع الاقتصادي للانتقال إلى الرقمنة تماماً. وقد حددت دول مثل البحرين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة رؤيتها الاقتصادية التي تنطوي على اعتماد التقنيات الحديثة والمتقدّمة. وبينما تُعد المهارات الرقمية أمراً بالغ الأهمية لتحقيق الاقتصاد الرقمي، أصبح دعم الشباب في الاختصاصات التقنية جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي. وفي هذا الاطار، تدعم الحكومات والشركات الخاصة برامج التدريب لازدهار كل القطاعات.
التكيّف مع العالم الرقمي والاستثمار بالتكنولوجيا
تستثمر حكومات عدّة بالبنية التحتية الرقمية والتكنولوجية مع اطلاق مبادرات عدّة في هذا المجال. فكانت البحرين أول من اطلق بيئة تنظيمية تجريبية لشركات التكنولوجيا المالية في المنطقة تستفيد منها الشركات لتطوير حلولها قبل طرحها في السوق. كما تجذب البحرين شركات تكنولوجية عالمية مثل أمازون ويب سيرفيسيز التي اختارت الدولة لاطلاق أول مركز بيانات واسع النطاق في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في عام 2019.
على الخط نفسه، تقود كل من المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة استثمارات التكنولوجيا في المنطقة مع تدشين أكثر من مركز بيانات. وقد أعلنت مايكروسوفت عن خطط لبناء مراكز بيانات ومراكز سحابية في المملكة العربية السعودية. سيصل انفاق المملكة على التكنولوجيا إلى 24.7 مليار دولار بحلول عام 2030 و6.7 مليارات دولار على التقنيات المستقبلية. كما وسّعت أمازون ويب سيرفيسز مراكز البيانات الخاصة بها إلى الإمارات العربية المتحدة عام 2022.
تركز الحكومات في الشرق الأوسط على المهارات الرقمية الناشئة حالياً لتعزيز سوق التكنولوجيا في المنطقة الذي من المتوقع أن تبلغ قيمته 95 مليار دولار بحلول عام 2025 مقارنةً بـ 84 مليار دولار في عام 2020. يخلق هذا النمو فرصاً عدّة بدءاً من تحسين الانتاجية في مختلف القطاعات، تعزيز الخدمات اللوجستية، ونقل المسارات الوظيفية الجديدة إلى مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي وعلوم البيانات والأتمته. في ظلّ ذلك، ستتمكّن دول الخليج من الابتعاد عن النفط والغاز وتحقيق التنويع الاقتصادي استناداً الى التجارة الالكترونية والتكنولوجيا بصورة خاصة. هذا ويتيح التنويع الاقتصادي فرص عمل جديدة ستكون التكنولوجيا المحرك الرئيسي لها بحسب ما يؤكد خبراء في المجال.
تطوير المهارات الرقمية والاستثمار فيها
لا يمكن تطوير الاقتصاد وتنويعه من دون الاستثمار بالمهارات المناسبة والمستدامة. فبحسب الدراسات 77% من وظائف التكنولوجيا تتطلب معرفة رقمية عالية المستوى بحلول عام 2030. لهذا السبب، تقوم حكومات المنطقة بإدراج اختصاصات التكنولوجيا والتقنية في مناهجها بما يتماشى مع رؤيتها الرقمية.
أما الوظائف المستقبلية فستتطلب محللي بيانات، مطوري برامج، مختصين بالذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، مهندسي روبوتات. بدورها يجب أن تستعد الدول ذات اتجاه رقمي لرفع مستوى المهارات وقوة اليد العاملة لديها لتلبية النمو المتزايد على التكنولوجيا بجميع أشكالها.
وصلت استثمارات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الى 178.1 مليار دولار في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في عام 2023، بزيادة 3.1% عن عام 2022. بينما قد يساهم قطاع الذكاء الاصطناعي بمبلغ 320 مليار دولار في الشرق الأوسط في الاقتصاد بحلول عام 2030.
فمن بين دول مجلس التعاون تتصدر المملكة العربية السعودية الاستثمار التكنولوجي حيث يمكن أن تنفق المملكة ما يصل إلى 24.7 مليار دولار على التكنولوجيا بحلول عام 2030 و6.7 مليارات دولار على التقنيات المستقبلية. ويتم استكمال هذه المستويات الكبيرة من الاستثمار بمبادرات طموحة لتأهيل اليد العاملة. وكجزء من خطة رؤية 2030، تسعى المملكة العربية السعودية إلى تدريب 40% من يد العاملة فيها لادارة ومعالجة البيانات الأساسية ومهارات الذكاء الاصطناعي.
أما مع زيادة عدد شركات البرمجيات والاتصالات والأجهزة الالكترونية في المنطقة فيتطلب ذلك المزيد من المبرمجين والمهندسين وتركز الشركات العاملة في الشرق الأوسط على توظيف الشباب من سكان المنطقة ذوي الخبرة الرقمية العالية.
الدول العربية تواكب التحول الرقمي
للسنة الثالثة على التوالي، لا تزال الدول العربية تتصدر مؤشر نضوج الخدمات الحكومية الالكترونية حيث حلّت المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة وقطر المراتب الثلاث الأولى. وأشار المؤشر إلى زيادة اتجاه الحكومات العربية نحو التحول الرقمي واهتمام الشركات في المنطقة بالأعمال الالكترونية والافتراضية ورقمنة القطاعات والخدمات خصوصاً الحكومية.
كيف تتصرف الحكومات حيال هذا التحول؟
تعمل الحكومات اليوم أكثر من أي وقت مضى على تحسين مهارات الموظفين لديها وتدريبهم لضمان المنافسة في السوق المحلي والدولي خصوصاً وان الاقتصادات الجديدة تعتمد بشكل أساس على الرقمنة. من هذا المنطلق، تركز الجهات المعنية على عقد الاتفاقيات واقامة المبادرات للتقدّم في هذا القطاع.
بدورها تركز حكومة الامارات العربية المتحدة على المهارات الرقمية وأطلقت مبادرة "جاهز"، منصة حكومية رقمية تهدف إلى تعزيز الكوادر الاماراتية لتصميم المستقبل الرقمي ورفع مستوى الكفاءة في مجالات عدّة مثل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، وبناء نموذج الحكومة الذكية. تغطي هذه المبادرة كافة موظفي الحكومة الاتحادية مواكبة للعصر السريع.
على الخط نفسه، تعمل البحرين، على إقامة شراكات استراتيجية مع مزودي الفقرات التدريبية في مجال التكنولوجيا. ومن خلال هذه الشراكات، يتم توفير التدريب المتخصص للمواطنين البحرينيين لتمكينهم من تحسين مهاراتهم وتأمين مسارات وظيفية مستدامة في قطاع التكنولوجيا. وقد تم تأسيس "تمكين" في عام 2006 لجعل القطاع الخاص المحرك الأساس للنمو الاقتصادي وتطوير سوق العمل. كما تدعم " تمكين" الشركات والمؤسسات التي تسعى إلى تحقيق النمو والابتكار والتحول الرقمي بالاضافة إلى تمرين المهارات المحلية لتعزيز الانتاجية بما يخدم العمليات التشغيلية على المستوى المحلي والدولي أيضاً. يستفيد رواد الأعمال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من التكنولوجيا لتطوير حلول يواجهون بها التحديات المحلية والعالمية. فتعمل هذه الشركات الناشئة على تنويع المشهد الاقتصادي وتحفيز الابتكار في مختلف القطاعات، من التكنولوجيا المالية والتكنولوجيا الصحية إلى التجارة الإلكترونية وغيرها الكثير.
فالتوسع السريع للتجارة الإلكترونية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هو نتيجة مباشرة لتغير سلوك المستهلك. أمام هذا الواقع، تدرك الشركات الحاجة إلى التواجد المكثّف على شبكة الإنترنت للاستمرار في المنافسة في ظلّ التغيّر السريع في السوق.
ولا بد من التركيز على الذكاء الاصطناعي ودوره في قيادة الثورة الرقمية في المنطقة خصوصاً وان المهارات الجديدة والشركات تحتاج إلى هذه التقنية لسير العمل.
بالفعل، يتطلب عالمنا الرقمي مهارات رقمية لامتناهية ويمكن للحكومات أن تلعب دورها في هذا المجال لتثبيت مكانة الاقتصاد الرقمي وتنفيذ السياسات المؤاتية لهذه المشاريع. ويؤكد خبراء التكنولوجيا أهمية التركيز على المهارات الجديدة التي تخدم الثورة الرقمية بكافة مستوياتها. كان التحول الرقمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمثابة رحلة متعددة الأوجه تأثرت بعوامل رئيسية مختلفة. ولهذه العوامل دور فعال في دفع المنطقة نحو مستقبل رقمي يتميز بالابتكار والتحديث.
تمثل التقنيات الرقمية فرصة غير مسبوقة للقطاعين العام والخاص في جميع أنحاء المنطقة لإعادة احياء اقتصادها وازدهارها. فمن خلال الحلول الرقمية تُقارب الشركات والعملاء التطبيقات لتقديم أعلى قدر من الخدمات وأعلى مستوى من التكنولوجيا فضلاً عن محاولة تحليل أكبر عدد ممكن من البيانات وتحسين البنية التحتية الرقمية والسحابية وفقاً لما نشهده من توسع مكثف للنظام الايكولوجي البيئي الرقمي منذ انتشار وباء كورونا وحتى يومنا هذا. وبحسب الخبراء ما زلنا نتقدم في الثورة الرقمية خطوات إلى الأمام مع رقمنة القطاعات ودمج التكنولوجيا في المجتمع بشكل أكبر. فرغم المخاوف وكل التحديات، تستمر الدول في رسم خططها المستقبلية لبناء قاعدة أساسية للمدن الذكية والارتقاء بحياة المواطنين بما يليق بهم. وها هي الحكومات اليوم تتسابق لأن تصبح الدولة الرقمية 100% مع الحفاظ على الخصوصية وأمن المعلومات.